السبت , 4 ديسمبر 2021

خلفيات استراتيجية الدفاع البريطانية الجديدة…الدّور الجديد

نوار ملحم

في سرد تدريجي لمسار الاستراتيجية البريطانية خلال السنوات الأخيرة السابق، يمكن الملاحظة أن الخطوة الاستراتيجية والأهم للندن كانت هي الخروج المنظم من الاتحاد الأوروبي، والعودة إلى تحالف وعلاقة عضوية أكثر عمقاً مع واشنطن، قضية الخروج من الاتحاد لدولة بوزن المملكة المتحدة وبالرغم من المخاطر الاقتصادية والمشاكل الداخلية التي من الممكن أن تتسبب بها بالنسبة للندن، فهي تبقى ذات آثار استراتيجية مؤثرة ليس على التوازن الأوروبي فحسب وإنما على التوازن الدولي ككل.

بمعنى آخر لقد كانت تلك الخطوة هي الممهدة الفعلية للعديد من الخطوات التّدريجية المتعلقة ليس فقط بلندن وإنما مجمل أوروبا، وهي ذات أبعاد سياسية واقتصادية واجتماعية عديدة، ولا شك أن أهداف الاستراتيجية البريطانية الجديدة كانت في ضوء إعادة التموضع الاستراتيجي متعدد المستويات الذي يحدث بشكل متدرج ومدروس بعد خطوة الخروج من الاتحاد.

ما يهم بالفعل هو ماهي الانعكاسات الممكنة لمثل تلك الاسترايجية على مجمل منطقة الشرق الأوسط في العموم؟…

من الملاحظ في الآونة الأخيرة هو النشاط المكثف للاستخبارات البريطانية في العديد من الدول منها لبنان والعراق وربما دول أخرى، وهذا النشاط المتنامي هو في إطار إعادة النشاط و الفعالية للدور الإنكليزي المتجدد في المنطقة.

وهو يمثل خطوة ممهدة لزيادة الحضور العسكري مستقبلاً الذي لديه الأصول اللازمة لمثل تلك الزيادة، مثلاً القاعدة البريطانية في جزيرة قبرص في شرق المتوسط على تماس مع التواجد الحيوي لموسكو في نفس المنطقة، وأيضاً العديد من القواعد في دول الخليج التي ستساعد بالتأكيد المملكة المتحدة على تحقيق أهداف استراتجيتها الجديدة في المنطقة وربما نشهد مستقبلاً أهدافاً أكثر عمقاً في المرحلة المقبلة.

يبقى المحرك الأساس لتلك الاستراتيجية هو بالفعل رؤية وسياسة الولايات المتحدة بالدرجة الأولى حول خطورة المراحل القادمة التي تتطلب وجود حلفاء موثوقين يكون لهم دور هام وليس هامشي فقط في الصراع العالمي الجديد الذي بدأت تتوضح معالمه، باعتبار أنَّ لندن كانت وستبقى العاصمة الأكثر ثقة في نظر الأميركيين، حيث لم تشهد العلاقة الاستراتيجية بين الدولتين أي مشاكل أو خلافات تُذكَر بخلاف العلاقات بين باريس وبرلين التي اختلفت مع سياسة واشنطن في بعض الملفات بالرغم من وجودهم معاً في إطار حلف الناتو…

قد يكون الهدف الجوهري للسياسة الأميركية – البريطانية المشتركة، هو أن يكون للندن دور في تعبئة الفراغ ولو بشكل مرحلي، مثلاً في منطقة الخليج وعلى طرق الممرات البحرية الرئيسية مثلاً في مضيق باب المندب وقناة السويس، على خلفية أنَّ واشنطن ربما تفكّر في سحب القوات بشكل تدريجي إلى المناطق الأكثر أهميةً من منظور الأمن القومي الأميركي أي باتجاه المحيطين الهندي والهادي حيث يتركز النفوذ الصيني، هذا يعني أنه ربما نشهد في الفترة القادمة حضوراً علنياً نشطاً للندن في المنطقة.

مهما كانت طبيعة هذا الدور الجديد للندن وربما لدول أوروبية أخرى في المنطقة، فهذا الدور لن يكون على غرار النفوذ الكبير الذي كانت تتمتع به المملكة المتحدة سابقاً في المنطقة والذي أخذ شكل الاحتلال والاستعمار المباشر، فالقدرة البريطانية الحالية مختلفة موضوعياً عن الماضي وهي باتت تعاني حتى من مشاكل داخلية عميقة، وهذا الدور الجديد سيكون أقصى ما يمكنه فعله هو إبطاء حركة التغييرات الكبرى التي بدأت في منطقة الشرق الأوسط وفي العالم أيضاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثلاثة + واحد =