السبت , 24 يوليو 2021

مآلات التطبيع على المدى الاستراتيجي

أحمد عرنوس

أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 13/8/2020 عن معاهدة “سلام” وصفها بأنها “تاريخية” بين “إسرائيل” والإمارات العربية المتحدة، وهما طرفان لا يتقاسمان الحدود الجغرافية ولم يخوضا حرباً ضد بعضهما البعض، وتضفي الاتفاقية الطَّابع الرسمي على العلاقات التي كانت تتحسَّن منذ عام 2004، عندما أصبح محمد بن زايد ولياً لعهد إمارة أبو ظبي و مهندس السياسة الخارجية التدخلية لدولة الإمارات العربية المتحدة، ونائب القائد الأعلى للقوات المسلحة الإماراتية، وهو رئيس المجلس التنفيذي لإمارة أبوظبي، ففي ظل حكمه سارت العلاقات مع “إسرائيل” من جيدة إلى أفضل، وذلك وفقاً لعدة مؤشرات سابقة :

  1. في عام 2018 دعت الإمارات الرياضيين “الإسرائيليين” للمشاركة في بطولة الجودو الكبرى في أبو ظبي وسمحت لهم برفع علمهم وغناء نشيدهم “الوطني”، ورافق وزير الرياضة والثقافة “الإسرائيلي” الرياضيين ودعتهم السُّلطات الإماراتية لزيارة مسجد الشَّيخ زايد الكبير في أبوظبي.
  2. في 2019 ظهرت أخبار عن صفقة سريّة تزوّد “إسرائيل” بموجبها القوات الجوية الإماراتية بطائرتين للمراقبة المتطورة.
  3. في 2020 سمحت الإمارات العربية المتحدة “لإسرائيل” بأن يكون لها جناحها في معرض إكسبو دبي 2020، الذي تمَّ تأجيله لاحقاً إلى عام 2021 بسبب تفشي وباء كورونا عالمياً.
  4. عام 2020 أيضاً أقنع محمد بن زايد رئيس المجلس الانتقالي الحاكم في السودان عبد الفتاح البرهان بالاجتماع مع رئيس الوزراء “الإسرائيلي” بنيامين نتنياهو في أوغندا، وكان من نتيجة هذا الاجتماع أن سمح للطائرات “الإسرائيلية” بالتحليق فوق الأجواء السودانية.

دبلوماسية صناعة الرَّأي العام الخليجي:

في العصر الرَّقمي الحالي أصبحت القوة الناعمة أداةً أساسية في السياسة الخارجية لدول مجلس التعاون الخليجي وبشكلٍ خاص كل من (المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة)، فوسائل الإعلام الخليجية وصفحات التواصل الاجتماعية التابعة لها (فيسبوك، تويتر، انستغرام،…وغيرها) عملت في الفترة السابقة على دبلوماسية التَّرويج لخطواتٍ قادمة ظهرت بوادرها في الإعلان عن اتفاقية “السلام”، فقد تمَّ على سبيل المثال عرض بعض المسلسلات التلفزيونية خلال شهر رمضان الماضي ومنها (أم هارون*[1]، ومخرج 7*[2])، فمن خلال هذه المسلسلات التي تمَّ عرضها بشكلٍ خاص في فترة شهر رمضان المبارك بهدف العمل على تحقيق أعلى نسبة من المشاهدة، عملت عبرها وسائل الإعلام الخليجية على نشر رسالتها الواضحة لخطوات قبول التطبيع والسلام مع “إسرائيل” والتَّخلي عن قضية فلسطين وحقوقها التَّاريخية والثقافية.

من جانبٍ آخر يجب الإشارة إلى قضية في غاية الأهمية والتي تكمن بأن البقاء في العصر الرقمي الحالي ليس “للأصلح” كما كان يردّد هربرت سبنسر، بل أصبح البقاء “للأكثر”، أي الأكثر انتشاراً، والأكثر تطاولاً، والأكثر حضوراً، والأكثر تزامناً، والأهم من ذلك كله الأكثر “طنيناً”، وبالتالي لقد عززت هذه الفرضية من تجذر حقيقة البنية التكنوثقافية للمجتمع السيبراني-الرقمي والذي تتزايد فيه أعداد المستخدمين للإنترنت، ولهذا إن حرية التعبير التي ظلت على مر الزمن مطلباً شعبياً، أصبحت في العصر الرقمي الحالي مُعضلة بحد ذاتها، حيث الهدم جاري على كل الجبهات، هدم للمركز وللقواعد وللأخلاق التواصلية، ويحدث ذلك كله تحت عنوان “التفكيك” الذي حوَّل المصانع الجديدة للرأي العام إلى ورشات مشحونة بالطَّنين الأكثر انتشاراً لصناعة التَّضليل والباطل[3]، وهذا ما تقوم به بالضَّبط وسائل الإعلام وصناعة الرَّأي العام في كل من الإمارات والسعودية لترويج التطبيع مع “اسرائيل”.

توقيت الإتفاقية:

بالنسبة لتوقيت الاتفاقية من الواضح بأن هناك صفقة بين كل من الولايات المتحدة و”إسرائيل” والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة للإعلان عن هذه الاتفاقية، فالجميع لديهم مشاكل في الداخل، ويمكن لكل طرف استخدام هذا الاتفاق كانتصار سياسي له، فترامب سيواجه الانتخابات ضمن ظروفٍ صعبة، ونتنياهو يواجه تهم فساد مالي كبيرة، ومحمد بن سلمان قلق من أن جو بايدن قد يستجوبه بشأن مقتل جمال خاشقجي، وفضلاً عن قيام خالد الجبري*[4] بالادعاء في واشنطن ضد ولي العهد محمد بن سلمان بتهمة تدبير محاولة قتله، وأما على الجانب الإماراتي فلدى محمد بن زايد أيضاً قضايا قانونية في محكمة فرنسية تدرس ما إذا كان ينبغي توجيه الاتهام إلى الإمارات بارتكاب جرائم حرب في اليمن، ولهذا يعتقد المسؤولون الإماراتيون أن تطبيع العلاقات مع “إسرائيل” سيمنحهم غطاءً أمنياً وسياسياً إذا خسر ترامب الانتخابات وغيَّر بايدن مسار السياسة الخارجية للولايات المتحدة، كما يعتقد محمد بن سلمان ومحمد بن زايد أنَّ جماعات الضَّغط اليهودية في الغرب قادرة على حمايتهم من الملاحقات القضائية.

الخاتمة والاستنتاجات:

  • في الحقيقة إن ما يُسمَّى اتفاقية “السلام” بين الإمارات و”إسرائيل” من الصعوبة اعتبارها بمثابة اتفاق استراتيجي أو تاريخي، حيث تزعم الإمارات بأن هذه الاتفافية تتوافق مع مبادرة “السلام” العربية لعام 2002، التي اقترحت الاعتراف الكامل “بإسرائيل” والتطبيع معها مقابل إقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية، وهذه المبادرة جعلت التطبيع مشروطاً بإقامة دولة فلسطينية، و من الواضح حالياً بأنه لم يتم الاعتراف إلى الآن بأي وجود لهذه الدولة الفلسطينية المفترضة.
  • بشكل استراتيجي يبدو أنَّ هذه الاتفاقية لن تؤدي إلى تحقيق الاستقرار الاستراتيجي الإقليمي والدولي في منطقة الشرق الأوسط، بل ستؤدي إلى تعزيز حالة الاستقطاب السياسي الحاد، وكما ستؤدي إلى زيادة شرعنة العمليات “الإسرائيلية” والهادفة لضرب كل مرتكزات مشروع محور المقاومة في المنطقة، والتاريخ يثبت ذلك في مراحل عديدة لطبيعة الصراع في المنطقة، فعلى سبيل المثال كان لاتفاقيات كامب-ديفيد في 17/9/1978، واتفاقية “السلام” المصرية-“الاسرائيلية” في 26/3/1979، دور حيوي في التصعيد “الاسرائيلي ” وغزو لبنان في 1982، كما أدّت اتفاقية وادي عربة “للسلام” بين الأردن و”إسرائيل” في 26/10/1994 أيضاً وبطريقة غير مباشرة لتصعيد ضد لبنان في نيسان عام 1996 إثر عملية عناقيد الغضب “الإسرائيلية”، ولهذا بناءً على ما سبق يتبين بأن المنطقة وخاصةً بعد 13/8/2020 وتوقيع اتفاقية “السَّلام”، ستكون مقبلة على حالة ستزداد فيها حالة الفوضى واللااستقرار بشكل تدريجي، وربما ستمتد هذه المرّة إلى دول الخليج المطبّعة أيضاً.

 

[1] مسلسل أم هارون*: دراما كويتية عرضت في شهر رمضان 2020 وتم تصويره في دولة الإمارات، المسلسل إنتاج شركة الفهد المملوكة للفنانة حياة الفهد وشركة جرناس المملوكة للإماراتي أحمد الجسمي، وكلاهما منتج منفذ لصالح مجموعة MBC، ويصوّر المسلسل العلاقات بين المسلمين والمسيحيين والجالية اليهودية في الكويت في الأربعينيات، و”المظالم والتَّمييز” الذي يعانيه المجتمع اليهودي خلال ذروة الحركة الصهيونية والنكبة.

[2] مسلسل مخرج 7*: دراما كوميدية سعودية، عرض في شهر رمضان 2020 وتم توقفه في الحلقة 20 لتداعيات تفشي وباء كورونا، وقد أحدث جدلاً واسعاً، لعرضه قضية التطبيع مع “اسرائيل” وتهجمه على الفلسطينين، وبأن السعودي يجب عليه أن يهتم بقضية استثماراته ويبقى بعيداً عن موقف الصراع في الشرق الأوسط، وليس هذا فقط فالمسلسل في الحلقة الثانية يروج للاعتراف بالمثليين في المجتمع السعودي، إذ دعم المسلسل قضية المثليين باعتبارهم “فئة موجودة في المجتمع وينبغي تركهم على حالهم”، وذلك حسب تعبير الشَّخصية التي لعبت دورها الممثلة أسيل عمران.

[3] عبد الله الزين الحيدري، “زمن الذباب والعشائر الإلكترونية: معارك الإثبات والإبطال”، مجلة لباب للدراسات الاستراتيجية والإعلامية، مركز الجزيرة للدراسات، الدوحة-قطر، العدد 3، أغسطس/آب، 2019، ص194.

[4] خالد الجبري*: لواء ومستشار أمني عمل في وزارة الداخلية السعودية، وهو مستشار لولي العهد السابق محمد بن نايف، غادر السعودية في 2017، وقد نشرت عدة تقارير مؤخراً عن محاولة سعودية لقتله في مكان إقامته الحالية بكندا، وفي 16/3/2020 اعتقلت السلطات السعودية أبناء خالد وهما سارة وعمر، وفي أيار/2020 اعتقلت أيضاً شقيقه عبد الرحمن الجبري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اثنا عشر + عشرين =