الثلاثاء , 21 سبتمبر 2021

سيناريوهات ما بعد الرد

فادي ميده، رضا النحاس، أحمد عرنوس

قامت الولايات المتحدة الأمريكية بتاريخ 3 كانون الثاني/يناير 2020 باغتيال الفريق قاسم سليماني قائد قوة القدس في الحرس الثوري الإيراني ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي العراقي أبو مهدي المهندس ومن معهما من المسؤولين الآخرين، وذلك بعد العديد من محاولات الاغتيال السابقة التي لم تنجح، ولعل اتخاذ القرار والقيام بعملية الاغتيال في هذا التوقيت له دلالات عديدة، تتمثل فيما يلي:

  • رأى ترامب في التوقيت الحالي أن الظروف ناضجة ومهيأة لاغتيال سليماني على عكس ما حدث عام 2015 في عهد أوباما، حيث أن جريدة “الجريدة” الكويتية كشفت حسب مصادرها الخاصة بأن الاغتيال عام 2015 كاد أن يتم أثناء إحدى زيارات سليماني الميدانية قرب دمشق، إلا أن بعض دوائر واشنطن الاستخباراتية في وقتها أبلغت الإيرانيين بوسيلة غير معلومة بمحاولة “الإسرائيليين” باغتيال سليماني، حينما رأت أن نجاح قاسم سليماني في كبح جماح داعش وانتصارات قواته تصب في صالحهم، فضلاً عن أن الاغتيال في ذلك الوقت كان سينسف جهود 9 سنوات من مفاوضات الاتفاق النووي الموقع في 2015، لتُنشئ محاولة الاغتيال غير الناجحة خرقاً واسعاً في ذلك الوقت بين الدوائر الاستخباراتية الأمريكية و”الإسرائيلية”.
  • في وقت تشهد فيه دول المنطقة اضطرابات سياسية واقتصادية وأمنية، أراد ترامب استغلال تلك الاضطرابات والقيام بعملية الاغتيال وخاصةً بعد الخسارة المبدئية لترامب في سورية.
  • اعتبر ترامب أن عملية الاغتيال تمثل مخرج له من أزماته الداخلية المتمثلة بمحاكمته وإجراءات عزله وقرب الانتخابات الرئاسية التي ستحصل في نهاية هذا العام، كما أن نتنياهو يواجه قضايا داخلية متمثلة بالفساد لذلك وجد كل منهما في عملية الاغتيال فرصةً لتوجيه الأنظار نحو قضايا السياسة الخارجية، ومن شأن ذلك أن يضعهما في صورة إيجابية داخل أوساط الرأي العام.
  • عجز واشنطن عن خوض أي حرب واسعة مع إيران وبنفس الوقت عدم قدرتها على إتمام تسوية شاملة معها، إضافة إلى أن سياسة الضغط الأقصى وتشديد الحصار الاقتصادي بدأت مسارها التنازلي حيث لم تحقق تلك السياسات النتيجة المطلوبة لواشنطن.
  • أصبح العراق بموقعه الجيوسياسي يشكل خطراً مباشراً على “إسرائيل”، فمنذ افتتاح معبر القائم – البوكمال شهد العراق هجمات “إسرائيلية” على مواقع تابعة للحشد الشعبي، وهذا ربما ما قد يفسر التورط “الإسرائيلي” في المشاركة بشكل غير مباشر من حيث اتخاذ قرار الاغتيال والتنفيذ مع القوات الأمريكية، إضافة إلى تصريح نتنياهو الذي قال فيه بأن “إيران تزيد عدوانها في المنطقة ونحن نشارك الولايات المتحدة بنشاط في محاربة هذا العدوان”.

الرد الإيراني:

قبل عملية الاغتيال الأخيرة كانت طهران تتبع استراتيجية التوازن في حالات الطوارئ والتنوع في الاستجابة، وكانت هذه الاستراتيجية متبعة لمواجهة الضغوط القصوى الأخيرة من قبل الإدارة الأمريكية والمتعلقة بحرمانها من تصدير النفط، وإضعاف الخيارات المتاحة أمام دعم طهران لشبكة محور المقاومة في المنطقة، ولكن بعد عملية الاغتيال والرد الإيراني على ذلك تحولت هذه الاستراتيجية من التوازن إلى المواجهة المفتوحة للوجود الأمريكي في المنطقة، حيث قال في إطار ذلك المرشد الأعلى للثورة الإسلامية الإيرانية علي خامنئي: “بأن الرد العسكري الذي تم مجرد صفعة، وهو ليس بحجم الجريمة، والرد الأساسي هو خروج أمريكا من المنطقة”.

قامت إيران بتنفيذ وعدها بالرد، حيث قامت بعد خمسة أيام من عملية الاغتيال أي في الثامن من كانون الثاني/يناير بالرد من خلال قصف قاعدتي عين الأسد في بغداد وقاعدة حرير في أربيل، ولعل لاختيارها لقاعدة عين الأسد مؤشرات عديدة يمكن ذكر أهمها:

  • لاحتواء القاعدة – التي تسضيف قوات أمريكية – على مدرج للطائرات وقد تم تدميره بفعل الضربة الإيرانية.
  • كما أن القاعدة تحتوي على رادار عملاق يغطي الأراضي العراقية والسورية حتى فلسطين المحتلة، بالإضافة إلى أجهزة اتصالات وتجسس كبيرة.
  • إضافة إلى أنها تضم مركز القيادة العسكرية الأمريكية.
  • إن اختيار قاعدة عين الأسد يمكن اعتباره بمكان قرار استراتيجي وخاصة بعد تصريح ترامب رداً على دعوة البرلمان العراقي لإخراج القوات الأمريكية من العراق، وأشار الرئيس الأميركي أن لدى بلاده قاعدة جوية باهظة الثمن بشكل استثنائي، وكلّفت مليارات الدولارات لبنائها مهدداً بعدم مغادرتها إلا في حال تمّ تعويض كلفتها، وبعد يومين من كلام ترامب، اختارت إيران قاعدة عين الأسد للرد الأولي على اغتيال الفريق قاسم سليماني، كما أن إيران كانت ستختار قاعدة التاجي ولكن استبعدتها من حساباتها نتيجة قربها من بغداد من جهة ولوجود قوات عراقية قريبة من القوات الأمريكية في القاعدة لذلك تم استبعادها واختيار قاعدة عين الأسد.

سيناريوهات المرحلة القادمة:

 إن عدم حصول رد عسكري أمريكي على الضربة الإيرانية حتى الآن، واكتفائها بفرض عقوبات إضافية على طهران، يمكن أن يعطي مؤشراً بأن ما حدث يمكن أن يكون إحدى جولات المواجهة بين إيران وأمريكا وبتعبير آخر بين محور المقاومة  من جهة وأمريكا وحلفائها الغربيين من جهة أخرى، ولعل أسباب التصعيد الأمريكي يمكن إدراجه في سياق تصاعد قوة محور المقاومة في المنطقة بالإضافة إلى محاولات واشنطن وقف برنامج طهران للصواريخ البالستية ووقف تطور دول وحركات المقاومة، بالمقابل فإن هذا المحور وضع هدف رئيس وأساسي له على المدى الطويل ويتمثل بإخراج القوات الأمريكية من المنطقة، وعلى أساس هذه التطورات يمكن وضع السيناريوهات المتخيلة في المنطقة خلال المرحلة المقبلة، وهي:

  • السيناريو المتعلق بوضع القوات الأمريكية في المنطقة:

من الناحية السياسية والقانونية سوف تتابع الحكومة والبرلمان العراقيين ملف إخراج القوات الأمريكية من العراق وزيادة الضغط السياسي لتحقيق ذلك الهدف، وإذا لم يتحقق ذلك سياسياً ربما يتم تفعيل خيار تصعيدي على الأرض عبر قيام فصائل المقاومة العراقية بعمليات انتقامية أمنية وعسكرية متعددة، وربما تكون على أكثر من ساحة وستمثل في ذلك عمليات استنزاف طويلة الأمد للقوات الأمريكية وخاصةً المتواجدة في العراق، ولا يمكن فصل مصير تواجد تلك القوات في سورية عن مصير تواجدها في العراق، حيث أنه في حال سحبت واشنطن قواتها من الأخير، فإن بقاءها في شرق الفرات سيكون شبه مستحيل بسبب اعتمادها بشكل ٍكاملٍ على قواعدها المتواجدة في العراق.

  • سيناريو المواجهة الإيرانية- الأمريكية:

من المحتمل أن تحصل مواجهات عسكرية، أمنية، سيبرانية مباشرة بين إيران وأمريكا من فترة إلى أخرى مع عدم الاستبعاد الانجرار إلى مواجهة محدودة أو ربما قصيرة الأجل، مثل ما جرى في السابق عندما تم  إسقاط للطائرة الأمريكية من قبل طهران والهجمات السيبرانية المتبادلة بين الطرفين، وفي ظل هذه الظروف ربما يكون من المستبعد فتح مسارات تفاوضية خاصة في حالة إعادة انتخاب ترامب لفترة رئاسية جديدة.

  • سيناريو المسار الإقليمي والدولي:

إن إدارة ترامب ستعمل على إقناع الناتو بالاضطلاع بدور أكبر في المنطقة، حيث كان تصريح ترامب بأن دول في الشرق الأوسط يمكن أن تنضم إليه، وهو يهدف من خلال ذلك إلى تصوير المشهد بأنه ليس وحيداً فيما يحصل، وبالتالي تخفيف الالتزامات الأمريكية في الخليج مقابل زيادة مشاركة وتواجد قوات من الناتو في تلك المنطقة ودعم إنشاء قوة خليجية بحرية مشتركة بقيادة الناتو لإعادة معادلة توازن الردع، وفي نفس الوقت يمكنه الاستفادة في هذا الموضوع في إطار المواجهة الواسعة مع روسيا والصين عبر توسيع الناتو بضم دولاً جديدة إليه.

يبقى الأهم والثابت في الموضوع أن القوات الأمريكية في الشرق الأوسط عموماً، أصبحت في حالة من عدم الاستقرار الاستراتيجي والاستنفار شبه الدائم، وهذا سيزيد التكاليف سواء المادية والبشرية على تلك القوات، ناهيك عن حالة عدم اليقين والخوف الذي سوف يشعر به  كل جندي أمريكي في المنطقة، وبالتأكيد أن ما حدث في قاعدة عين الأسد لن يبقى داخل أسوارها، وإنما وصلت أصداءه إلى مسامع وشعور كل جندي من أولئك الجنود فضلاً عن قياداتهم العسكرية والسياسية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ستة عشر + 17 =