الثلاثاء , 21 سبتمبر 2021

دور المياه في الحرب السورية والعراقية

دور المياه في الحرب السورية والعراقية

اسم الكاتب: Tobias von Lossow

المصدر:Italian Institute for International Political Studies

تاريخ النشر: 26February, 2020

إلى جانب النزاعات على المياه، كان حوض الفرات ودجلة موقعاً لنوعٍ محددٍ جداً من جوانب الأمن المرتبطة بالمياه على مدار العقد الماضي، وأصبح دور المياه كأداة استراتيجية قوية خلال الصراع العنيف والحرب، وهذه الظاهرة ليست جديدة ولكنها أصبحت وثيقة الصلة بشكل خاص في النزاعات الأخيرة في سوريا والعراق حيث تم استخدام موارد المياه كسلاح، والبنية التحتية للمياه المستهدفة وتحويل إمدادات المياه إلى أداة تجنيد أو وسيلة لكسب الشرعية السياسية، واكتسب تسليح المياه اهتماماً بارزاً عندما بدأت (داعش) في استخدام المياه بشكل متكرر ومنتظم كسلاح، ففي سوريا طبقت كل فصائل الحرب تقريباً هذه الممارسة أو هاجمت البنى التحتية للمياه في سياق النزاع، على سبيل المثال توقفت أو دمرت إمدادات حلب عدة مرات من قبل جهات فاعلة، وبما أن الميليشيات استخدمت سلاح الماء بطريقة متسقة ومرنة للغاية، فإن مثال (داعش) يوضح الدوافع والاعتبارات لمجال واسع من هذه الممارسة التي عاودت الظهور في النزاعات المسلحة المعاصرة في حوض الفرات ودجلة والشرق الأوسط ككل.

داعش واستخدام المياه كسلاح:

كانت السيطرة على الموارد المائية الهامة والاستيلاء على البنى التحتية الأساسية للمياه جزءاً من استراتيجية التوسع الإقليمي لداعش، وسمحت السدود الكبيرة على طول نهر الفرات ودجلة بالتلاعب الفعال بأهم موارد المنطقة وتضخيم تأثير تسليح المياه، واستخدمت الميليشيا المياه كسلاح بطرق مختلفة لتعزيز أهدافها الاستراتيجية السياسية والتكتيكية، واُستخدم الماء على سبيل المثال لكسر إرادة الناس في مقاومة داعش، وإظهار السلطة، والسيطرة على المناطق، أو تحقيق مزايا عسكرية في ساحة المعركة على غرار المنطق والتأثير النفسي للقنبلة النووية، فإن السيطرة على الموارد المائية من قبل ميليشيا راديكالية واحتمال استخدامها كسلاح يهدد بالفعل بغض النظر إذا تم تنفيذ هذا الفعل بشكل عملي، وقد تم استخدام المياه كسلاح لداعش بتهديد المناطق في أسفل مجرى العراق، دون أن تخضع هذه المناطق لسيطرة عسكرية مباشرة.

كانت هناك ثلاث طرق يستخدم فيها الماء كسلاح، أولاً من خلال الاحتفاظ بالمياه خلف السدود، أو تحويل الموارد المائية أو قطع إمدادات المياه مؤقتاً عن المجتمعات ثم تزويد مناطق معينة بموارد قليلة جداً وبالتالي استنزافها، ثانياً بإطلاق الماء في السدود والفيضانات وكان داعش مسؤولاً عن الكثير من فيضان المياه في بعض المناطق، ثالثاً من خلال تلويث المياه وجعل المياه غير صالح للشرب، على الرغم من أن الممارسات السابقة كانت سائدة بشكل رئيسي خلال التوسع الإقليمي لداعش، إلا أنه تم تطبيقها بشكل متكرر عندما تم طرد داعش في عامي 2016 و2017 وبدأت في نهب البنية التحتية للمياه وتدميرها.

يوضح مثال سد الفلوجة في 2014 الطيف الواسع والمتعدد لاستخدام المياه كسلاح من قبل داعش حتى لو كان هذا المثال استثنائياً من حيث النطاق والتوسع، وتطبيق أنواع مختلفة من الممارسات لأغراض مختلفة في غضون بضعة أيام، فبعد الاستيلاء على السد أغلق داعش البوابات وحجب مياه الفرات في الخزان مما قلل من تدفق المياه إلى بغداد، والمراكز الزراعية في وسط وجنوب العراق، وفي الوقت نفسه كان منسوب المياه خلف السد يرتفع وغمر المرافق الحكومية والمواقع العسكرية على ضفاف الخزان، وبينما كانت المياه المتزايدة على وشك إغراق مواقع داعش، أطلقت الميليشيا المياه من خلال قناة الري في وادٍ جانبي بعد يومين، وقد نتج عن ذلك حدوث فيضان هائل على مساحة 200 كيلومتر مربع، مما أدى إلى غمر الأراضي على بعد 100 كيلومتر ووضع مدينة أبو غريب على عمق أربعة أمتار تحت الماء، ولقد فقد ما يصل إلى 60 ألف شخص سبل عيشهم واضطروا إلى الفرار، وتم تدمير 10000 منزل وقتل الماشية، وفي الوقت نفسه عملت تلك المياه على إبطاء تقدم الوحدات التابعة للجيش العراقي التي كان من المفترض أن تقترب من داعش في الفلوجة عبر هذا الوادي، وبالإضافة إلى ذلك أعاقت الفيضانات الانتخابات البرلمانية، حيث لم يتمكن سوى ثلث مراكز الاقتراع في محافظة الأنبار من فتح أبوابها.

بعد استخدام المياه كسلاح، كان للماء أيضاً غرض آخر لداعش، حيث احتاجت الميليشيا إلى موارد مائية لعملياتها العسكرية ولتزويد السكان في المناطق التي تم السيطرة عليها بخدمات المياه والكهرباء، وقد ساعد ذلك في كسب الدعم أو على الأقل لتحييد المعارضة بين السكان، لا سيما في المناطق التي كانت مهملة في السابق، وأدى تقديم مثل هذه الوظائف الأساسية إلى إطفاء طابع من الشرعية والمصداقية للميليشيات ككيان يشبه الدولة، بحيث تكون قادرة على توحيد “الخلافة” المعلنة التي كانت أساسية لإيديولوجية داعش، وأما الأضرار الأكبر المتعلقة بالمياه في العراق، مثل سد الرمادي أو أعمال التسمم لمئات الآبار، فلم يتم ارتكابها إلا عندما تم طرد الميليشيا عسكرياً واضطرارها للتراجع عن الأراضي المحتلة.

خلال حملات مكافحة داعش كان من الصعب استعادة البنى التحتية والسدود منها، نظراً لعدم إمكانية مهاجمة المواقع عن طريق الغارات الجوية، وكانت السدود أماكن استراتيجية وآمنة نسبياً لداعش،حيث كان سد الفرات مقراً للقيادات العسكرية لداعش والمعتقلين المهمين في سد الفرات، واحتاجت قوات مناهضة لداعش إلى استعادة السدود في أعلى المراكز الحضرية أولاً قبل الاقتراب من المدن، كما هو الحال في – الفلوجة أو الرمادي أو الرقة – وأيضاً لتجنب أعمال الانتقام التي تتم بالمياه أثناء تحرير سد الفرات، كانت الميليشيات وقوات التحالف المناهض لتنظيم داعش تواجه بعضها بعضاً حرفياً على قمة السد لمدة ستة أسابيع قبل انسحاب داعش من الموقع.

 تأسيس داعش قام على استخدام المياه كسلاح:

في النزاعت والحروب العنيفة في المنطقة، لعبت المياه دائماً دوراً استراتيجياً مهماً، حيث قامت العديد من الجهات الفاعلة باستخدام المياه كسلاح عمداً في حوض الفرات ودجلة، ولكن داعش كان “رائداً” في دمج هذه الممارسات في مجموعة أعماله العسكرية اليومية، فالميليشيات غيرت الطابع التقليدي لهذه الممارسة في العقود الماضية، فقد كان استخدام الماء كسلاح انتهاكاً للقانون الإنساني الدولي وقانون الحرب، ويُصور على أنه أمر استثنائي لمرة واحدة أو تغيير في اللعبة في نزاع عنيف.

يعد الوصول إلى موارد وإمدادات المياه والتحكم فيها في السياقات الهشة والصراعات أو الحروب، لكن المعايير المناخية والهيدرولوجية (علم المياه) في حوض الفرات ودجلة، وبشكل عام في الشرق الأوسط تجعل موارد المياه أكثر أهمية، واستخدام المياه كسلاح أكثر ضرراً وفعالية، وبالتالي أكثر جاذبية، نظراً لأن معظم هذه المعايير في المنطقة سوف تتدهور في السنوات القادمة، وسوف يتم استخدام المياه كسلاح بشكل متكرر في المستقبل، وحتى خارج سوريا والعراق أشارت السنوات الأخيرة بالفعل إلى هذا الاتجاه الواسع المثير للقلق المتمثل في استخدام المياه كسلاح للهجوم المتعمد، كما في حالات ليبيا أو اليمن على سبيل المثال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إحدى عشر + سبعة عشر =