السبت , 24 يوليو 2021

حول مفهوم وآليات الأمن الإقليمي

نوار ملحم، أحمد عرنوس

لتعريف الأمن الإقليمي لابد من تفكيك هذا المفهوم، فالأمن في اللغة العربية يعني الطمأنينة والسكون وهو ضد الخوف، وفي الإنكليزية فإن كلمة “Security” –وهي مشتقة من اللاتينية- تعني التحرر من الخوف أو الخطر وغياب القلق والشعور بالثبات والاستقرار على مستوى السياسة والحكم، وبالنسبة إلى كلمة الإقليمي فهي تشير إلى الحيز الجغرافي المشترك بين الدول في منطقة جغرافية معينة، والأمن الإقليمي يُعَدُّ مفهوماً حديثاً نسبياً- برز خلال فترة ما بين الحربين العالميتين- ليعبّر عن سياسة مجموعة من الدُّول التي تنتمي إلى إقليم واحد، فالأمن قضية مركبة وتتكوَّن من عدة مستويات “الفردي، القومي والدولي” وهو يرتبط بأمن مجموعة من الدول المتقاربة جغرافياً في الغالب، كما أنَّ هذا المفهوم يرتبط ب”المجمع الأمني” والذي يشير إلى مجموعة من الدول التي تترابط شؤونها الأمنية بشكل وثيق، بحيث لا يمكن تحليل المشكلات الأمنية لهذه الدول أو حلها على نحو منفصل لبعضها البعض (تعمل التنظيمات الإرهابية والدول الداعمة لها بنحو معاكس للأمن الإقليمي كونها لا تحترم السيادة والحدود بين الدول والتنوع الثقافي والعرقي والديني بشكلٍ عام).

بعد نهاية الحرب العالمية الثانية تمَّ تأسيس منظمة الأمم المتحدة ورُبِطَت بها مجموعة من المؤسسات ذات الطَّابع الدُّولي كان الهدف الأساسي لها هو الحفاظ على حالة الاستقرار والسلم الدوليين، وكامتداد لأسلوب عمل الأمم المتحدة تمَّ تأسيس العديد من المنظمات ولكن ذات الطابع الإقليمي وتحمل طابع التعاون الاقتصادي والمالي بالإضافة في بعض الأحيان إلى المجالات السياسية كالاتحاد الأوروبي – الاتحاد الأفريقي – النافتا- شنغهاي …..

وحدها منطقة الشرق الأوسط أو غربي آسيا لم تستطع إيجاد الآلية المناسبة لتحقيق حتى أدنى درجات التَّعاون الإقليمي لا من الناحية الاقتصادية أو السياسية، لا بل إنَّ الأمور ازدادت سوءاً بشكل ٍكبير منذ بداية أحداث الربيع العربي إذ بدأت تظهر و بشكل تدريجي كل جذور الخلافات التاريخية والإثنية والقومية في هذه المنطقة.

طبعاً هذا من الناحية الظاهرية ولكن في الحقيقة إن جذور عدم الاستقرار كانت موجودة في هذه البقعة الجغرافية منذ نهاية عقد الأربعينات من القرن الماضي، ولعلَّ أهم سبب لعدم استقرار البيئة الاستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط أو غربي آسيا يعود إلى أنَّ فلسطين كانت ولاتزال هي الدولة الوحيدة التي لم تنل استقلالها وتحررها الكامل خلافاً لكل دول العالم الحالية، وهذا الوضع شكَّل وضعاً شاذاً ساهم في العديد من التوترات والحروب الإقليمية المتعددة كحرب 1967 و1973 و1982 وحتى حروب الخليج وصولاً إلى الحرب في سورية وليبيا واليمن….كل تلك الحروب وغيرها هي مرتبطة بشكل مباشر أو غير مباشر بهذا الوضع الشاذ، باعتبار أن تلبية حاجات الاستقرار الأمني لتل أبيب تفترض وعلى عكس القواعد البديهية وجود حالة من زعزعة الاستقرار والضَّعف في جميع دول المحيط الإقليمي المباشر أولاً، وفي دول المحيط الإقليمي غير المباشر ثانياً، تلك الحروب والنزاعات ساهمت أيضاً بوجود حالة من عدم الاستقرار الاجتماعي أيضاً بالنظر إلى قضايا اللاجئين على سبيل المثال لا الحصر.

في هذا الإطار يبدو من الواضح أنَّ هذه الأزمات المتفجرة والمتسارعة في المنطقة، هي للأسف مرشحة للتصاعد وربما تشمل دولاً وشعوباً جديدة، طالما أن جذور المشكلة الرئيسية لم تُحَل لا بل هي مرشحة للتصعيد.

 في عام 2007 قال رئيس وزراء ماليزيا مهاتير محمد في محاضرة له في جامعة دمشق:” حين انتعشت ماليزيا اقتصادياً وحقّقت قفزة نوعية أدركتُ أن نموّها لا يمكن أن يكون مستداماً ما لم يكن جوارها مزدهراً أيضاً، فبدأتُ بالعمل على مساعدة دول الجوار لتحقيق نموّ اقتصادي يمكّن ماليزيا من التعامل معها واستدامة نموّ الجميع”، وأيضاً في مثال آخر هناك التجربة الصينية، فبعد أن أصبح اقتصادها الثاني عالمياً شرعت في وضع برنامج “حزام واحد طريق واحد”، وكل المحاولات الأمريكية حالياً هي لتوتير الأمن الإقليمي حول الصّين سواءً في بحر الصين الجنوبي أو هونغ كونغ أو بورما ….

وبالعودة إلى منطقتنا سيكون من الضروري الانتباه إلى أنَّ قضية الأمن الإقليمي المشترك ستظل ذات أهمية قصوى رغم كل العوائق والضغوطات لتحقيق الأمن والاستقرار ورفاهية شعوب المنطقة، وبالتالي ربما سيكون من المفيد الانتباه للقوى التي تعمل على زعزعة الاستقرار في هذه المنطقة وتغيير الحدود القائمة ودعم التنظيمات الراديكالية الإرهابية المتطرفة سواءً بشكل مباشر أو غير مباشر.