الثلاثاء , 22 يونيو 2021

حفظ الاستقرار الداخلي هو الأساس

نوار ملحم

عند مراجعة التاريخ يمكن الاستنتاج أنَّ العديد من الدول المتفاوتة في درجة قوتها كانت تنهار ليس لعوامل متعلقة بالغزو الخارجي فحسب، بل كان لأوضاعها الداخلية الأثر الكبير في هذا الانهيار، ويوجد العديد من الأمثلة التاريخية حول هذا الموضوع فمثلاً، لولا ضعف الدولة العباسية والخلافات الداخلية التي كانت تعصف بها لما سقطت بغداد بتلك السهولة في يد القوات المغولية، وذات الأمر ينطبق على الإمبراطوربة الرومانية بقسميها الشرقي والغربي على سبيل المثال في العصور القديمة والاتحاد السوفياتي في العصور الحديثة الذي لم يسقط يفعل قوة غازية وإنما كانت العوامل البنيوية الداخلية على اختلافها هي السبب الأساس في تفكك الاتحاد.

في العصر الحالي القرن الواحد والعشرين، ونظراً للتقدم العلمي الذي طرأ على العلوم الاستراتيجية والاجتماعية ومختلف مجالات الحياة الأخرى، كان من الطبيعي أن تختلف أساليب الحروب الحديثة عما سبق، واتخذت لنفسها مسميات جديدة من قبيل حروب الجيلين الرابع والخامس كما هو معلوم.
في هذا الإطار أصبح من الواضح ارتكاز مختلف هذه الحروب الحديثة على نقطة تستند إلى التركيز على الأوضاع الداخلية للدول بالدرجة الأولى، وحتى نكون دقيقين أكثر أصبحت قدرة الدول على تحقيق الاستقرار الداخلي والحفاظ عليه هي المحور الأساسي لسياسات القرن الحادي والعشرين، وهذا الموضوع لا يتعلق فقط بدول العالم الثالث أو المتقدمة وهو غير مرتبط أيضاً بقضية الحرب أو السلام، بمعنى أنه حتى الدول التي لا تعاني من أية تهديدات خارجية، ينبغي لها أن تولي أهميةً كبرى لقضايا البحث العلمي المتعلقة بقضية الحفاظ على الاستقرار المحلي ضمن حدود الدولة وتطويره.

للتوضيح أكثر، في منطقتنا منطقة غربي آسيا تعاني العديد من الدول من مشاكل متعلقة باستقرارها الداخلي ومنها من تعاني من تهديدات مركبة داخلية وخارجية كما في اليمن وسوريا وفلسطين على سبيل المثال، وحتى الدول التي هي في ظاهر الحال مستقرة، ليس هناك ما يضمن استمرارية هذا الاستقرار بل هناك العديد من المؤشرات التي توحي أن الأمور ستذهب باتجاه زعزعة هذا الاستقرار.

كثير من الدول والأنظمة تعتقد أن الاستقرار الداخلي يكمن في اتباع سياسة خارجية تتمثل بالتحالف مع الأقوى من وجهة نظرها وهي بذلك تضمن لنفسها الحماية من أية تهديدات خارجية محتملة، وهذا الأمر ليس صحيحاً بدرجة مطلقة فالتحالفات الخارجية مهما كانت طبيعتها ليست كافية لدرء المخاطر الداخلية المحتملة، الصحيح هو الربط المنطقي بين سياسات داخلية واقعية وسياسات خارجية متوازنة، فعلى سبيل المثال تجد العديد من الأنظمة الخليجية أنَّ الاستقرار يكمن في استمرارية التحالف مع الولايات المتحدة والتطبيع مع “إسرائيل”، ورغم الخطأ الاستراتيجي الكبير في هكذا تقييم، يمكن القول أيضاً أن تلك السياسات ذات البعد الخارجي ستكون غير قادرة على حماية تلك الأنظمة من التهديدات المحلية المحتملة، فقضايا التغييرات الاجتماعية المتسرعة اللامدروسة غير المتوافقة مع طبيعة المجتمع في المملكة السعودية ، بالإضافة إلى قضايا المهاجرين والعاملين الأجانب والرأي العام والتجنيس والأوضاع الاقتصادية المتدهورة على إثر انتشار فيروس كورونا في دول مثل الإمارات العربية المتحدة والبحرين وغيرها، تحمل العديد من التهديدات المحلية لاستقرار تلك الدول.

وكمثال على أهمية الأبعاد الداخلية في هذا العصر يمكن ذكر العديد من الأمثلة الأخرى سواءً على الصعيدين الإقليمي والدولي:

  • الولايات المتحدة الأميركية: صحيح أنَّ اميركا هي القوة العظمى في العالم عسكرياً واقتصادياً، ولكنَّها على ما يبدو حتى الآن غير محصّنة تجاه التهديدات الداخلية بشكل تام، فحكومات تلك البلاد المتعاقبة لا تملك الإجابات المقنعة حول قضايا التمييز العنصري المتفشي، أو الفساد المتعلق بإدارة أزمة كورونا، أو تلك القضايا المتعلقة بانتشار العنف وبيع السلاح بكثافة، أو القضايا الجوهرية المتعلقة بالأساس الفلسفي والأخلاقي الهش لبناء المجتمع الأميركي والغربي عموماً، بالتأكيد حاملات الطَّائرات والحروب بالوكالة والنظام الرأسمالي عموماً لن يكونوا قادرين على تقديم إجابات مقنعة لحل تلك المشاكل.
  • روسيا: من الملاحظ أن الثورات الملونة في كل من أوكرانيا سابقاً وبيلاروسيا حالياً سيكون لها انعكاساتها المهمة على الاستقرار الدَّاخلي في روسيا نفسها بالإضافة إلى قضايا الإرهاب الدولي وكيفية الحفاظ على أمن المجتمعات المتنوعة عرقياً ودينياً وثقافياً في تلك البلاد الشاسعة.
  • تركيا: التي تحتل العديد من أراضي الدول المجاورة بطريقة ليست قانونية وتتوسع في إطار مشروع إمبراطوري غير قابل للتحقق، سيكون التحدي الأساسي لها هو حول كيفية حفظ الاستقرار الداخلي في ضوء أزمة اقتصادية تزداد تفاقماً، وخلافات ذات أبعاد عرقية ومذهبية وقومية وسياسية وحتى تاريخية آخذة في التصاعد والاستقطاب.
  • إيران: من الواضح أيضاً أنَّ التركيز الغربي على استهداف البيئة الشعبية في إيران سيطرح أيضاً العديد من التحديات هناك حول إمكانية الحفاظ على الاستقرار الداخلي في بلد متنوع ثقافياً وقومياً كإيران.
  • الأردن: مما لاشك فيه أن مشاريع الضم وصفقة القرن والأوضاع الاقتصادية الصَّعبة ستطرح العديد من التساؤلات حول قدرة الأردن على الحفاظ على الاستقرار الداخلي في مثل تلك الظروف.

وهناك بالطبع العديد من الأمثلة الأخرى التي لا مجال للتوسع في طرحها في هذا المقال.

الخاتمة والاستنتاجات :

  • الحروب المستقبلية وجزء كبير من الحروب الحالية القائمة حول العالم على وجه العموم، ليست حروب ذات نمط تقليدي تعتمد على الغزو واحتلال الأراضي إلّا فيما ندر، وإنما هي حروب مركبة غير تقليدية يمكن أن تستخدم فيها بعض الأسلحة الكلاسيكية والاستراتيجية كالصواريخ العابرة مثلاً، ولكن البعد الداخلي المحلي له دور جوهري وحيوي في هذا النمط الجديد من الحروب.
  • هذا لا يعني أن السّياسات الضامنة للاستقرار المجتمعي ستكون مهمة فقط في حالة الحرب، وإنما لها أهميتها القصوى أيضاً في حالة السلم وهنا تبرز الولايات المتحدة وأوروبا كمثال حالي على هذا الموضوع كما ورد في المقال.
  • أهمية الفهم الدقيق للتحديات الداخلية، تجعل من الضرورة الاهتمام ببعض العلوم ذات الطبيعة الاستراتيجية ولكن بشرط أن تكون على ارتباط حقيقي بالواقع والمشكلات المجتمعية القائمة من قبيل علم الاجتماع السياسي، والعلوم الأمنية الاجتماعية والعلوم النفسية العصبية، والعلوم التي تُعنى بقياس وفاعلية الرأي العام، والاهتمام بهكذا علوم طبعاً لا يقتصر فقط على الدول المتقدمة وإنما من الحكمة أن تهتم بها دول العالم الثالث أيضاً، باعتبار أنها الأكثر تعرضاً للتهديد في استقرارها الداخلي، كما أنَّ هذه العلوم لاتحتاج إلى ميزانيات ضخمة كما العلوم التقنية الثقيلة ويمكن البدء بها بإمكانات متواضعة نسبياً، والأمر لا يحتاج سوى إلى إرادة سياسية واعية.
  • أهمية تلك العلوم السَّابقة تأتي من كونها ترسخ مبدأ تنمية القوة الذاتية واكتشاف الطاقات واستثمارها بالشكل الصحيح، كما أنها تساعد في فهم ماهية السلوك البشري المتوقع عن إحدى الجماعات والأفراد الأمر الذي سيكون له فوائده الاستراتيجية وتطبيقاته العملية، فعلى سبيل المثال عند دراسة السلوك والأيديولوجيا والنواحي الاجتماعية وطريقة التفكير لدى الجماعات الإرهابية يمكن الاستنتاج بسهولة أنَّ تلك الجماعات لا يمكن لها أن تلتزم بأي عهود أو مواثيق مهما كانت طبيعتها إلا إذا كانت في مصلحتها، وهو ما ينطبق على حالة محافظة إدلب السورية التي ستقوم تلك الجماعات بخرق أي اتفاقات حصلت أو ممكن أن تحصل فيها والتمدد مجدداً باتجاه إعادة السيطرة على المناطق التي سيطرت عليها قوات الجيش السوري، فيما لو أتيحت الظروف المناسبة لها لذلك، ونفس ينطبق الأمر على سلوك جماعة داعش الإرهابية التي تعيد “غزواتها” كلما جرى دعمها من قبل قوات التحالف أو سنحت لها الظروف للعمل مجدداً.

كما أن سلوك الدول الخليجية و”إسرائيل” واستعجال التطبيع العلني للعلاقات يوحي بنوع من الخوف من التطورات المستقبلية التي يمكن أن تحدث في هذه المنطقة.

  • الدولة أو الدول التي ستتمتع بفهم أكبر للتحديات على المستوى الداخلي والتي ستجد الحلول الواعية لتلك التحديات بطريقة منسجمة مع واقعها وخصائص مجتمعاتها، وبالربط مع سياسة خارجية منطقية متوازنة، تلك الدولة أو الدول هي التي ستكون ذات المستقبل الأفضل والأكثر تأثيراً سواءً على مستوى المنطقة أو العالم ككل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

2 × 1 =