السبت , 5 ديسمبر 2020

ماذا تعني التنمية السياسية؟

نوار ملحم، فادي ميده

يتفق علماء الاجتماع السياسي وخبراء العلوم السياسية على أن التطور السياسي في أي مجتمع يرتبط بالتطور الاقتصادي والاجتماعي، فوجود مؤسسات سياسية قوية وفاعلة وقادرة على بلورة المصالح العامة هو ما يميز المجتمعات المتطورة عن غيرها، فالنظام السياسي يُعَدُّ انعكاساً للنظام الاجتماعي والاقتصادي للدول بطبيعة الحال.

من هنا تكمن أهمية التنمية السياسية وخاصةً في دول المنطقة التي تعيش اضطرابات على أكثر من صعيد، حيث أن تلك التنمية لا تقتصر فقط على السياسة إنما هي حلقة مترابطة وعملية شاملة ذات مضامين سياسية واقتصادية واجتماعية، وهي عملية لا تقبل التجزئة و أي تقدم في أحدها يؤدي إلى تقدم في المسارات الأخرى، وبالتالي من الممكن أن تكون التنمية السياسية  – والتي تعد ركناً أساسياً من أركان التنمية الشاملة – هي البداية والمفتاح لحل الأزمات المتعددة الأوجه في المنطقة.

لقد قدَّم الباحث السياسي روبرت باكنغهام R. Packenham  تصنيفاً يتضمّن خمس مقاربات لدراسات التنمية السياسية، وهذه المقاربات هي:

  • المقاربة القانونية: ترى أن التنمية السياسية تتمثّل في الدستور الذي يوضح ملامح الحماية المتساوية في ظلّ “القانون، الانتخابات والفصل بين السلطات…”.
  • المقاربة الإدارية: تنظر إلى التنمية السياسية على أنّها القدرة الإدارية على حفظ القانون وأداء وظائف المخرجات الحكومية بطريقة رشيدة وفاعلة.
  • المقاربة الاقتصادية: ترى أنّ التنمية السياسية تتمثّل في مستوى التنمية الاقتصادية الكافي لخدمة الحاجات المادية والمعنوية والمعرفية للشعب.
  • مقاربة النظام الاجتماعي: ترى أنّ التنمية السياسية هي تسهيل المشاركة الشعبية في الحياة السياسية، وتخطّي الانشقاقات “الإقليمية، اللّغوية، القبلية والطائفية ….”.
  • مقاربة الثقافة السياسية: ترى أنّ التنمية السياسية تتمثّل في مجموعة من الخصائص الشخصية التي تمكّن الأفراد من قبول الامتيازات، وتحمّل المسؤوليات النابعة من العملية السياسية الديمقراطية.

ولكن لا بدَّ أيضاً من توضيح الغاية من التنمية السياسية بشكل أكثر تحديداً، فتلك الغاية تتمثل بعملية متكاملة تؤدي إلى رفع مستوى الوعي السياسي لدى الجيل وخاصة جيل الشباب المتعلم، وتلك العملية لا تقتصر بطبيعة الحال على النخب المختصة في هذا المجال، وإنما عندما يتعلق الموضوع بالقضايا الكبرى وخاصةً ما يندرج منها في إطار الأمن القومي (الأمن والاستقرار، معرفة العدو، التطرف والإرهاب….)، في مثل تلك الحالات تساعد عملية التنمية السياسية المبنية على أسس صحيحة وواقعية في نشر الفهم الواعي لتلك القضايا لدى أكبر عدد ممكن من المواطنين حتى ولو كانوا ضمن مجالات عمل مختلفة، ولا شك أن تلك العملية ستؤدي في النهاية إلى مزيد من الدعم الشعبي لخيارات النخبة الحاكمة.

كمثال عملي على ذلك : في حال كانت حكومة من الحكومات تواجه الإرهاب أو الحركات الإرهابية، ستقوم عملية التنمية السياسية بتوضيح الأفكار الآتية :

  • من هي تلك الحركات، ولماذا صنفت بالإرهابية؟
  • توضيح المبادئ الأيديولوجية التي تقوم عليها تلك الحركات، ومدى بعدها عن الواقع؟
  • من هي الدول التي تدعم تلك الحركات وما هي دوافعها، بشكل تفصيلي وواقعي؟
  • ما هي نقاط القوة ونقاط الضعف الموجودة فيها؟
  • والأهم من ذلك: هو توضيح لماذا تلك الحركات تشكل خطراً على مستقبل الشعب من كل النواحي الاقتصادية والاجتماعية والأمنية والعلمية؟

وكعمل إجرائي يمكن للدولة أو المؤسسات المعنية نشر تلك الأفكار على أكبر مستوى واستخدام كل ما يُتَاح لها من موارد بشرية في سبيل هذا الموضوع، فعلى سبيل المثال على المستوى الخارجي يمكن لسفارة البلاد في أي دولة من الدول أن تتواصل بشكلٍ فعَّال مع الجاليات المغتربة في تلك الدولة، والطَّلب منهم أن يكون لهم دور سياسي وإعلامي في الترويج لتلك الأفكار ودعم سياسة بلدهم في هذا المجال.

باختصار إن عملية التنمية السياسية في جانبٍ منها تعني أن يكون لكل فرد مهما كان تخصصه رسالة سياسية واعية تنسجم مع المصالح العليا الحقيقية للبلاد، ويكون عليه العمل للترويج ونشر تلك الرسالة بقدر ما يستطيع.  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خمسة عشر − 2 =