الأربعاء , 3 مارس 2021

فيروس كورونا: خلل جديد أم ميزة السياسة الدولية؟ (2)

اسم الكاتب: Andrey Kortunov

المصدر: المجلس الروسي للشؤون الدولية           

التاريخ: 18 آذار/مارس 2020

تموت اليوم وأموت غداً”؟:

من الطبيعي للوعي البشري (أو بالأحرى اللاوعي) أن يرفض السيناريوهات السلبية، فنحن أقل استعداداً للنظر في مثل هذه السيناريوهات على أنها تؤثر بشكل مباشر على أنفسنا وأحبائنا، وينطبق هذا بشكل خاص على البلدان وحتى القارات بأكملها التي تمتعت بالسلام وغياب التهديدات الواضحة للأمن الشخصي لعدة أجيال، ومن هنا جاءت الأمثلة العديدة للموقف تجاه الوباء في مراحله الأولى، خاصة في الدول الأوروبية، حيث رأينا تحدياً في استعداد الناس لاتباع التوصيات وأوامر مباشرة من السلطات، كتب ألبرت كامو في روايته “الطاعون”: “استمروا في القيام بأعمالهم ورتبوا للرحلات، وشكلوا وجهات نظر” … “كيف كان عليهم أن يفكروا في أي شيء مثل الطاعون، الذي يستبعد أي مستقبل ويلغي الرحلات، ويغلق تبادل الآراء، وهم يتوهمون بحرية، ولن يكون هناك لأحد مطلق الحرية طالما كانت هناك آفات”.

في خدمة الناس العاديين هناك جيش كامل من الخبراء الذين يحثوننا على عدم إثارة الهلع، ويخبروننا أن عدد الأشخاص الذين يقتلون بسبب الفيروس الجديد خلال فترة الوباء بأكمله يمكن مقارنته بعدد الأشخاص الذين يموتون من مرض السل في العالم كل يوم، ويذكروننا أنه حتى الأنفلونزا العادية تؤدي إلى وفيات أكثر مما نجح الفيروس التاجي في التسبب به، ويخبروننا بأن حوادث السيارات في الولايات المتحدة على سبيل المثال تودي بحياة أكثر من مائة شخص كل يوم، ومع ذلك لا أحد في أمريكا يفكر في حظر السيارات بسبب ذلك، ولكن عندما يضطر الناس العاديون أخيراً إلى فتح أعينهم على المدى الحقيقي للمشكلة، فإنهم غالباً ما يتصرفون بشكل أفضل من السياسيين الساخرين والأنانيين، وبالطبع قدم الوباء بالفعل العديد من الأمثلة على التضامن الإنساني والمبادرة المدنية والبطولة الحقيقية.

في جنوب إيطاليا المزدهر نسبياً رفض الناشطون قبول لاجئين من شمال البلاد المحروم، وفي بعض الأماكن أدى هذا الإحجام حتى إلى إغلاق الطرق ومحطات السكك الحديدية، وفي منطقة بولتافا في أوكرانيا ألقى السكان المحليون الحجارة على الحافلات التي تحمل مواطنين تم إجلاؤهم من ووهان، وخوفاً من انتشار الفيروس في القارة الأفريقية ظل الجمهور في العديد من البلدان الأفريقية أصماً لطلبات مواطنيهم لمساعدتهم في إجلائهم من ووهان، كما أن حالة سفينة ويستردام السياحية التي لم يُسمح لها تحت ضغط الجمهور بالرسو في موانئ اليابان والفلبين وتايوان وتايلاند لمدة أسبوعين، حتى تمكن الركاب أخيراً من الذهاب إلى الشاطئ في ميناء سيهانوكفيل الكمبودي، فكل هذا كان على الرغم من عدم العثور على شخص مصاب على متن السفينة.

   –  لقراءة الجزء الأول من المقال …….   .

تشير التجربة التاريخية إلى أن ضحايا أي وباء أو كارثة طبيعية هم على الدوام تلك الفئات الاجتماعية والاقتصادية والعرقية والدينية التي كانت الأكثر حرماناً حتى قبل حالة الطوارئ، وهذه المجموعات هي الأكثر عرضة لخطر تفكك الروابط الاجتماعية التقليدية، ونقص الرعاية الطبية الجيدة، وزيادة البطالة ومشاكل أخرى، وهذه المجموعات هي أيضاً التي يُلام عليها غالباً عواقب الكوارث، وفي ظل الظروف القاسية تميل عمليات الاستقطاب الاجتماعي والثقافي إلى التسارع، ويصبح من الصعب للغاية تحقيق التماسك الاجتماعي الذي تشتد الحاجة إليه في مواجهة تهديد مشترك.

إذا ما حملنا هذا النمط العام إلى المستوى الدولي، فسيكون من الإنصاف أن نستنتج أنه في حالة تفشي جائحة دولية، فإن الدول والأقاليم الأقل تعرضاً والأقل ثراءً ستكون في النهاية الأكثر ضعفاً، إنه شيء واحد عندما ينتشر الفيروس في جميع أنحاء أوروبا الثرية أو الصين المدارة بشكل فعال، وإنها مسألة مختلفة تماماً على سبيل المثال إذا كان مركز الزلزال هو أفغانستان أو إدلب في سوريا أو جنوب السودان أو قطاع غزة، فمن الصعب تخيل حجم العواقب التي قد تترتب على الوباء في أماكن ذات بنية تحتية مدمرة والعديد من بؤر التطرف السياسي وتفشي العنف المسلح باستمرار.

ومع ذلك من السهل أن نتخيل كيف سيستخدم الشعبويون اليمينيون في أوروبا أو المتطرفون في الشرق الأوسط هذا الوضع لتعزيز مواقفهم، وفي الواقع إنهم يستغلون الوباء بالفعل بشكل كبير، لأن الفيروس التاجي بالنسبة لهم هو بالتأكيد سمة وميزة وليس خطأ أو تهديداً جديداً، ففي أوروبا  يعزز الوباء حجج الأحزاب اليمينية في إيطاليا وفرنسا وإسبانيا وبولندا، التي تطالب بإغلاق الحدود ووقف تدفق الهجرة الدولية، وأحد التفسيرات التي نشأت في الشرق الأوسط هو أن الفيروس التاجي يلقى على الصينيين كعقاب لقمع المسلمين، وفي روسيا يعمل الفيروس لأولئك الذين يتبنون الانعزالية الكاملة، ويتوقعون بسقوط الغرب الذي لا رجعة فيه ويبشرون بالتفاؤل الأخروي.

ماذا عن المسؤولية الاجتماعية لوسائل الإعلام؟ لقد أصبح الوباء مصدراً للمضاربة التي لا تنتهي، والدعاية الانتهازية والمعلومات الخاطئة، وازدهرت نظريات المؤامرة حيث تم الإعلان عن أن الفيروس هو نتاج مختبرات سرية، وتوزعه الخطة الشيطانية لقوى الظلام القوية التي تعشش إما في واشنطن أو بكين أو ربما حتى في موسكو، والمخاوف من الوباء التي يغذيها السياسيون والصحفيون ويعزز الغرائز المظلمة والطلب على “قصص الرعب” المختلفة، ويتم اختلاق الاختراعات من عدد لا يحصى من منظري المؤامرة.

وباء العقول وليس الأجساد:

إن استعداد البشرية للعمل الجماعي في مكافحة التحديات المشتركة – سواء كانت الأوبئة أو الكوارث الطبيعية أو الكوارث من صنع الإنسان – يتراجع بشكل عام، فالنشر المنتظم للقومية الوطنية، والترويج الضمني أو الصريح لكراهية الأجانب، والتجاهل المتغطرس للقانون الدولي، وإعطاء الأولوية للمصالح التكتيكية على المصالح الاستراتيجية، كل هذه السمات من السياسات الدولية التي لاحظناها في السنوات الأخيرة لن تمر دون نتيجة.

قبل عقدين فقط كانت الرغبة في التعاون الدولي أعلى بكثير، فعندما اندلع ما يسمى بوباء “إنفلونزا الطيور” في بداية القرن جاء علماء الأوبئة الأمريكيون على الفور لمساعدة زملائهم الصينيين في تحديد الفيروس (H5N1)، ونتيجة لذلك تم القضاء على تفشي إنفلونزا الطيور الخطير للغاية (بلغ معدل الوفيات 60٪) في مهدها، ولم يسقط سوى بضع مئات من الأشخاص ضحية للوباء، وبالطبع كانت تلك الأوقات المباركة التي لا تزال فيها الولايات المتحدة لا تفرض قيوداً على التعاون العلمي مع الصين، ولا تعتبر جمهورية الصين الشعبية على الإطلاق عدواً عنيداً للولايات المتحدة.

طوال السنوات العديدة التي أعقبت تفشي وباء فيروس إيبولا اقترح علماء الأوبئة الموثوقون مراراً وتكراراً مجموعة متنوعة من التدابير لتعزيز التعاون الدولي في مكافحة الأمراض المعدية الخطيرة، ولكن الوباء الجديد أظهر ضعف وهشاشة المنظمات الدولية، بما في ذلك منظمة الصحة العالمية، فمن في العالم اليوم يعتقد أن منظمة الصحة العالمية يمكن أن تصبح مقراً عالمياً فعالاً حقاً لمكافحة الفيروس التاجي؟، وبالحكم على مقدار الموارد المقدمة إلى المنظمة لا تتجاوز الميزانية الإجمالية لمنظمة الصحة العالمية ميزانية مستشفى أمريكي كبير، وهذا على الرغم من حقيقة أن خبرة المنظمة المتميزة في مكافحة الأمراض الخطيرة لا شك فيها، وتذكر فقط القضاء العالمي على الجدري والنجاحات التي لا يمكن إنكارها في مكافحة شلل الأطفال والملاريا.

لقد توقفت المجتمعات في معظم دول العالم عن الثقة بالمنظمات الدولية، ولم تعد تعتبرها آليات موثوقة لمواجهة الأوبئة والتهديدات الأخرى، حتى في الاتحاد الأوروبي تم اتخاذ أهم القرارات المتعلقة بالفيروس التاجي اليوم في العواصم الوطنية وليس في بروكسل، لكن المجتمعات لا تثق في حكوماتها أيضاً حيث تشتبه في أنها تخفي المدى الحقيقي للوباء، وكذلك استخدام الوباء لأغراضها السياسية الضيقة، والحكومات من جانبها لا تثق في بعضها البعض، وهذا لا ينطبق فقط على الخصوم والمنافسين المحتملين، ولكن أيضاً على الحلفاء والشركاء، ونتيجة لذلك بدأت تظهر حلقة مفرغة من انعدام الثقة الكلي وهو أرض خصبة لتكاثر أي وباء.

يبدو أن قمة مجموعة العشرين المقبلة في الرياض في تشرين الثاني/نوفمبر 2020 ستخصص بشكل أساسي للمشكلات التي يطرحها الركود الدولي الوشيك، والتحديات الجديدة للنظام المالي الدولي والفيروس التاجي، ولكن هل يمكن للبشرية أن تنتظر حتى تشرين الثاني (نوفمبر)، في هذه الأثناء تقتصر على المحاولات العاجلة لوقف الوباء في كل بلد على حدة؟، وهل من المأمول أن يتم اختراع لقاح خارق في الأشهر المقبلة؟، أو أن فيروس كورونا لن ينتشر خلال فترة الصيف الحارة؟، وهل يجب أن نعقد اجتماع طارئ لمجموعة ال 20 لمناقشة الوباء الحالي؟، يبدو أنه من دون ضغوط لا هوادة فيها من قبل الجمهور، لن تكون الحكومات مستعدة لاتخاذ إجراءات جماعية، ولا تزال تعتبر الفيروس التاجي ليس خطأ، ولكن كميزة من سمات السياسة الدولية، وإن مثل هذا النهج سيحتم لا محالة أن يتحول الإنسان العاقل إلى التدهور وفي النهاية إلى الانقراض، وهذا لا يشمل فقط “هم” المجردة مثل الحكومات والشركات ولكن أيضا “نحن” المحددة للغاية، وإذا لم يكن اليوم فقد يكون في غضون عشر أو خمسين سنة، وإذا لم يكن من الفيروس التاجي فقد يكون من تغير المناخ أو الحرب النووية الدولية، فما هي الإشارة الأخرى التي تحتاجها البشرية لإيقاظ غريزة الحفاظ على الذات المتأصلة في أي نوع بيولوجي؟.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

4 + 15 =