الخميس , 15 أبريل 2021

فيروس كورونا: خلل جديد أم ميزة السياسة الدولية؟ (1)

اسم الكاتب: Andrey Kortunov

المصدر: المجلس الروسي للشؤون الدولية           

التاريخ: 18 آذار/مارس 2020

لقد أصبح وباء الفيروس التاجي بالفعل الحدث الرئيسي للسنة الكبيسة*[1]، مما أدى إلى تراجع أولوية “الأخبار الدرامية” الأخرى في الفترة الماضية، كما تبين أن الوباء هو من أكبر الاختبارات قسوةً على النظام الاقتصادي والمالي الدولي، أما بالنسبة للعديد من المنظمات الدولية، وآليات الإدارة العامة في الدول، فهو اختبار غير كامل لأن ذروة الوباء لا تزال بعيدة، ولم يتم بعد تقييم تداعيات الانتشار العالمي لـ 2019-nCoV (المعروف أيضاً باسم SARS-CoV-2 أو COVID-19)، ومع ذلك يمكن بالفعل التوصل إلى بعض الاستنتاجات الأولية، ولسوء الحظ هذه النتائج مخيّبة للآمال.

يركز معظم الخبراء والصحفيين والسياسيين على التأثير الاقتصادي والمالي للوباء، فكيف سيؤثر الفيروس التاجي على التجارة والاستثمار العالميين؟، وماذا سيحدث لسلاسل التوريد الدولية؟، وكيف ستستجيب الأسواق المالية العالمية؟، وكيف ستتغير جغرافية وحجم تدفقات الهجرة عبر الحدود؟.

كل هذه الأسئلة هي بلا شك أساسية، ولا يقتصر الأمر على “هم” أي الحكومات، والشركات المتعددة الجنسيات الكبرى والصناديق المالية، بل أيضاً على “نحن” أي الأشخاص العاديين في جميع أنحاء العالم، ومن الواضح اليوم أنه بالنسبة لكثير من الناس، ستقسم الحياة إلى “ما قبل” و “بعد” الوباء، وسيتعين على البعض التخلي عن هوايتهم في السفر، والبعض الآخر لن يتمكن من الحصول على زيادة، والبعض الآخر سوف يضطر إلى العمل عن بعد.

ومع ذلك يجب ألا ننسى العواقب السياسية، أو بالأحرى السياسية والنفسية، إنها ليست ملحوظة ولكنها ليست أقل أهمية، سواء بالنسبة لنا أو لهم، إن مؤشرات الاتجاهات والمشاعر السياسية الدولية اليوم مقلقة مثل مؤشرات الاتجاهات الاقتصادية الدولية، وتكشف النتائج الأولية لاختبار الفيروس التاجي على الإنسانية علامات واضحة على نقص المناعة السياسية والنفسية.

الكل من أجل الواحد أو كل لنفسهم؟:

جميع الأوبئة من الطاعون الأثيني أو ما يسمى الطاعونThucydidean  430 قبل الميلاد، إلى وباء الإيبولا (2014-2015)، انتهت في نهاية المطاف بطريقة أو بأخرى، وعاجلاً أم آجلاً سيكون وباء الفيروس التاجي الحالي تحت السيطرة، ومع ذلك أثّرت الأوبئة المختلفة على مسار تاريخ العالم بطرق متعددة، ويمكن مقارنة بعضها بما يسميه المبرمجون خطأ، فهو خطأ عشوائي في برنامج كمبيوتر يؤدي إلى نتيجة غير مخطط لها وغير مرغوب فيها، واكتسب الآخرون “الأفراد أو الدول” طابع المناعة أو الميزة، أي أصبح لهم خاصية عضوية، وسمة مميزة، ووظيفة دائمة، وحتى “وظائف إضافية” للبرنامج.

السيناريو الأول (الشوائب) هو على الأرجح إذا كانت البشرية أو الأفراد الذين تأثروا بالوباء قادرين على استخلاص الاستنتاجات الضرورية من الكارثة ومنع تكرارها في المستقبل.

السيناريو الثاني (السمة) أمر لا مفر منه إذا لم يتم استخلاص الاستنتاجات المناسبة ونسيان دروس الكارثة، وقد لا يؤدي الوباء إلى أي تغييرات في الأولويات السياسية المعتادة، ونهج الإدارة، والمواقف النفسية وطريقة الحياة القديمة، كما يُنظر إلى الخطأ على أنه مشكلة ويُنظر إلى الميزة على أنها حتمية، ويمكنك إصلاح الخطأ ولكنك تعيش مع الميزة لفحص الحالة المحددة لوباء الفيروس التاجي الحالي.

يقترح المنطق أنه يجب على السكان التجمع ضد تهديد مشترك، خاصةً عندما يتعلق الأمر بمراتب الإنسان العاقل، التي تقع في أعلى السلم التطوري، فالإنسان كما نعلم جميعاً هو كائن اجتماعي، وبغض النظر عن الخلافات الداخلية والصراعات الجماعية – على الأقل لفترة من الوقت – ينبغي للبشرية أن تركز على إيجاد حل لمشكلة عالمية حقيقية.

ماذا نرى الآن عندما تواجه البشرية وباء متقدم؟ يتردد القادة السياسيون بشكل ملحوظ في إجراء تغييرات كبيرة على جداول أعمالهم الدولية، ولم يمنع انتشار الفيروس التاجي من تفاقم الوضع في سوريا ولا انهيار اتفاقات وقف إطلاق النار في ليبيا، كما أن تحول إيران إلى أحد المراكز الرئيسية للوباء لم يدفع واشنطن بمحاولة حتى تخفيف رمزي لعقوباتها الاقتصادية ضد طهران، ولم يصبح الوباء حافزاً لروسيا والمملكة العربية السعودية لتقديم تنازلات متبادلة خلال مفاوضات أوبك +، والتي كان من الممكن أن تمنع انهيار أسعار النفط والذعر اللاحق في الأسواق المالية العالمية، ففي كل من هذه الحالات وفي العديد من الحالات الأخرى، تم تقديم المصالح السياسية أو الاقتصادية أو المصالح الجماعية الانتهازية للدول على المصالح الدولية للحفاظ على الإنسانية.

علاوةً على ذلك بدأ يُنظر إلى الجائحة نفسها على أنها فرصة لتعزيز مكانة الدول في المنافسة الجيوسياسية والاقتصادية، وأعرب وزير التجارة الأمريكي ويلبر لويس روس عن تفاؤله بأن وباء الفيروس التاجي “سيساعد في تسريع عودة الوظائف إلى أمريكا الشمالية”، وسارع عدد من الاقتصاديين الغربيين إلى الإعلان عن أن الوباء سيعني نهاية “العصر الصيني” في التصنيع الدولي والنصر النهائي للولايات المتحدة في المواجهة الاقتصادية مع بكين، وبالطبع حقيقة أن الصين كانت الضحية الأولى للفيروس التاجي قدمت “لحكومات الدول الغربية” فرصة ممتازة للتحدث عن عدم كفاءة “النظم الاستبدادية” في منع الأوبئة، وعن أثار تكرار التدابير التقييدية التي اتخذتها السلطات الصينية في إعادة الحديث عن المخاوف بشأن “حقوق الإنسان” في الصين.

في الأسابيع الأخيرة لم يفوت المسؤولون الأمريكيون فرصة واحدة للإشارة إلى الجاني على أنه فيروس “صيني” “ووهان”، في المقابل “تكهن” المسؤولون الصينيون بأن الفيروس قد يكون قد أُحضر إلى ووهان من قبل الجيش الأمريكي، الذي شارك في الألعاب العسكرية الدولية التي عقدت في المدينة في تشرين الأول/أكتوبر 2019، وبشكل عام يجب أن نعترف أنه بعد أربعة أشهر من بداية الوباء، يواصل العالم نزاعه اليومي حول الخلافات اللحظية والمكاسب والخسائر التكتيكية، وبعبارة أخرى لا يُنظر إلى الوباء على أنه خطأ دولي يجب إصلاحه بأي ثمن، ولكن كميزة جديدة في السياسة الدولية يمكن استخدامها لتعزيز مصالحك ومواجهة مصالح خصومك ومنافسك، بإعادة صياغة القول المأثور للملك فريدريك ويليام الأول من بروسيا، قد يقول رجال الدولة الحديثون: “إن الوباء هو جائحة، لكن الحرب يجب أن تكون في الموعد المحدد”.

ومع ذلك ربما يجب أن نلقي اللوم برمته على السياسيين عديمي الضمير، وشركات الدفاع التي لا تشبع، والمحتالين الماليين غير المسؤولين؟، وللأسف لا يمكنني الموافقة على هذا البيان، وكثيراً ما يكشف الوباء الحالي عن سمات غير إنسانية للشخصية البشرية، ليس فقط في “هم” المجردة ولكن أيضاً في “نحن” المحددة للغاية، فكل هؤلاء السياسيين والشركات والبنوك يتحولون إلى أنهم غير مسؤولين، عديمي الضمير وقصيري النظر عن ما يحتاجه المطلب الاجتماعي القائم.

[1] السنة الكبيسة*: تعتبر سنة 2020 من الأعوام الكبيسة أي سنة عدد أيامها 366 يوماً، مع العلم أن السنة عدد أيامها 365 يوماً، ولكن لأن الأرض تستغرق في دورتها حول الشمس 365 يوماً وربع اليوم، فقد تقرر جمع هذه الأرباع وإضافتها في السنة الرابعة لكي يتناسب التقويم مع الدورة الفلكية.(المترجم).

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثمانية عشر − تسعة =