الأربعاء , 3 مارس 2021

تركيا..من القوة الناعمة إلى القوة الصلبة

فادي ميده

يعتمد السياسيون في تركيا بشكلٍ أساسي على وسائل الإعلام، للتعبير عن سياساتهم والترويج لها، من أجل كسب التأييد وحشد الدعم لتلك السياسات، إضافةً إلى استخدامها في تعبئة الرأي العام بما يخدم توجهاتهم في السياسات الداخلية والخارجية، وانطلاقاً من ذلك تُعَدّ وسائل الإعلام التركية إحدى الأدوات المهمة التي يتم استخدامها واستثمارها من قبل السياسيين في تركيا، سواء في الداخل التركي – بين الحزب الحاكم حزب العدالة والتنمية الذي يراقب ويسيطر على 95% من وسائل الإعلام وبين أحزاب المعارضة -، أو في السياسة الخارجية من خلال استغلال الإعلام بكافة أدواته للترويج لسياسات تركيا الخارجية والدفاع عنها، وهو ما برز أيضاً من خلال افتتاح قناة تركية ناطقة باللغة الإنكليزية وأخرى ناطقة بالعربية، بالإضافة إلى دعم وتمويل عشرات الفضائيات العربية وإطلاق عشرات المواقع الإلكترونية الناطقة بالعربية، وجعل إسطنبول مقراً لتلك القنوات والمواقع مع إطلاق تسمية لها “عاصمة الصحفيين العرب”، نظراً لتواجد كم كبير من الإعلاميين العرب هناك، ويمكن الإشارة هنا إلى ما قاله ياسين أقطاي مستشار رئيس حزب العدالة والتنمية: “إن وجود الإعلاميين العرب في بلادنا فرصة لا تُقدَّر بثمن، لنقل الرؤى التركية عبر الإعلام العربي، وهو شيء لا يُشترى بالمال”.

في ذات السياق، اعتمدت الحكومة في تركيا على الدراما التركية ضمن منظومة القوة الناعمة، والترويج من خلالها لصورة إيجابية عن الثقافة والتاريخ العثماني، من أجل تظهير ذلك لدى الرأي العام الداخلي والدولي على السواء، فمن خلال المسلسلات والأفلام التركية التي تُعرَض على وسائل الإعلام يمكن تحقيق أحد أهم أهداف الدبلوماسية العامة، ألا وهي تظهير صورة إيجابية عن تركيا وبشكلٍ خاص لدى شعوب المحيط الإقليمي لتركيا، مع إعطاء الأولوية بالدَّرجة الأولى للمشاهد التركي، فحسب إحصائيات أُجرِيت مؤخراً وفقاً لدراسة صادرة عن مركز “الفكر الاستراتيجي للدراسات” فإن الأتراك يقضون ما يقارب خمسة ساعات ونصف يومياً لمتابعة المسلسلات وغيرها من الإنتاجات المرئية، ونتيجةً لذلك، “أعلنت الحكومة التركية منح جوائر ومساعدات مالية لدعم المنتجين والمخرجين لخلق منتوج درامي وإعلامي داعم لصورة تركيا كقوة اقتصادية ووجهة سياحية لدى المتلقي الأجنبي، فبحسب منظمة الدراسات الاجتماعية والاقتصادية التركية – وهي أحد المراكز البحثية في تركيا – ستكون الدراما التركية ذات أهمية حيوية في تشكيل القوة الناعمة للسياسة التركية، وفي تحديد ملامح صورتها المشعَّة إقليمياً ودولياً”.

وبحسب وزير الخارجية التركي الأسبق أحمد داوود أوغلو: “إنَّ تبني خطاب ونهج دبلوماسي جديدين أدى إلى انتشار القوة الناعمة التركية في المنطقة، رغم أن تركيا تتمتع بقوة عسكرية هائلة نظراً لمحيطها غير الآمن، إلا أنها لا تمثل خطراً”، وذلك في إشارة منه إلى نجاح الدراما التركية في الانتشار ضمن الدول العربية منذ عام 2010، وفي الترويج للثقافة التركية في المنطقة العربية.

كانت تركيا تعتمد في سياساتها قبل عام 2011، على القوة الناعمة فقط، وانتقلت منها لتصبح بالإضافة إلى تلك القوة تستخدم وبشكلٍ متصاعدٍ وتدريجي القوة الصلبة، ووفقاً لـ جونول تول مدير الدراسات التركية في معهد الشرق الأوسط في واشنطن: “إن اعتماد تركيا على “القوة الصارمة” لتأمين مصالحها هو حجر الأساس في عقيدة سياستها الخارجية الجديدة منذ عام 2015، كما أنَّ تلك العقيدة تحث تركيا على التصرف من جانب واحد عند الضرورة، والقوة الصارمة هي قوة قسرية تُنفَّذ من خلال التهديدات العسكرية والحوافز الاقتصادية، وتستند إلى موارد ملموسة مثل الجيش أو القوة الاقتصادية، كما تنظر تلك العقيدة إلى تركيا كدولة محاطة بأطراف معادية ومهدَّدِة بتخلي حلفائها الغربيين عنها، لذلك يجب على تركيا- وفقاً لتلك العقيدة-  اتباع سياسة خارجية استباقية تقوم على استخدام القوة العسكرية الوقائية خارج حدودها”.

كتأكيد على الكلام السابق، قامت تركيا بعد عام 2015 بجملة من الخطوات في إطار مبادئ القوة الصارمة:

  • شنت ثلاث عمليات توغل عسكرية في سوريا بشكل مخالف للقانون الدولي.
  • أرسلت الإمدادات العسكرية والمقاتلين إلى ليبيا.
  • نشرت قواتها البحرية في شرق البحر الأبيض المتوسط ​​لتأكيد مطالبها في المنطقة.
  • التدخل التركي في الصراع بين أرمينيا وأذربيجان، وموافقة البرلمان التركي على مذكرة أردوغان حول إرسال قوات عسكرية تركية إلى أذربيجان.
  • وسعت عملياتها العسكرية ضد حزب العمال الكردستاني في شمالي العراق.
  • كما أن لتركيا وجود عسكري في قطر والصومال وأفغانستان وتحتفظ بقوات حفظ سلام في البلقان، ويعد وجودها العسكري العالمي هو الأكبر منذ أيام الإمبراطورية العثمانية.

في مسارٍ موازٍ ومنطقي شهدت الصناعة الدفاعية التركية تطورات ملموسة في نواحٍ عدة:

  • في عام 2010، كانت لتركيا شركة واحدة على قائمة أول مئة شركة دفاعية في العالم، أما الآن فقد باتت لها سبع شركات على القائمة، متفوِّقةً بذلك على كل من “إسرائيل” وروسيا والسويد واليابان مجتمعة.
  • تراجعت حصة تركيا من واردات الأسلحة بنسبة 48% من عام 2015 إلى عام 2019، فبعدما كانت البلاد تستورد 70% من معداتها العسكرية، انخفضت هذه النسبة إلى 30%.
  • ازداد حجم صناعة الأسلحة التركية من مليار دولار في عام 2002 إلى 11 مليار دولار في عام 2020، حيث فاقت قيمة الصادرات 3 مليارات دولار، ما جعل تركيا تحتل المرتبة الرابعة عشرة عالمياً في حجم الصادرات الدفاعية.
  • استثمرت الحكومة التركية 60 مليار دولار في المشاريع الدفاعية.
  • نظراً إلى التشنجات اليونانية-التركية على خلفية الحقوق في مجال الطاقة في شرق المتوسط، أنشأت تركيا فرقة بحرية لمضاهاة سلاح البحرية اليونانية.
  • تُعدّ تركيا واحدة من 22 دولة فقط تقوم بتصنيع الطائرات المسيّرة المسلّحة، ما يُضيف بعداً جديداً إلى قدرتها العسكرية في المنطقة.
  • قال نان تيان، أحد الباحثين في المعهد السويدي لأبحاث السَّلام: “احتلَّت تركيا في السنوات الأخيرة المركز الخامس عشر عالمياً من حيث الإنفاق العسكري، وإن جزءاً من الزيادة في ميزانية قواتها المسلحة في السنوات الأخيرة يرجع إلى الهجمات واسعة النطاق في الشمال السوري، ويقول التقرير إن ميزانية الدفاع التركية زادت بنسبة 86% في السنوات العشر الماضية”.

لقد منحت الصناعة الدفاعية المتنامية لتركيا هامشاً للمناورة في سياساتها الخارجية، من خلال خفض الاعتماد على واردات الأسلحة وتعزيز الاستقلالية الذاتية، وهو ما دفع أنقرة إلى الانتقال من القوة الناعمة إلى القوة الصلبة، وربما في كثير من الأحيان كانت وما زالت تعتمد عليهما معاً.

رابط المقال الأساسي:

https://www.almayadeen.net/articles/blog/1443160/تركيا—من-القوة-الناعمة-إلى-القوة-الصلبة

المراجع:

  • وجهة نظر: لماذا تستعرض تركيا عضلاتها في الخارج، BBC NEWS، على الرابط:

https://www.bbc.com/news/world-europe-54547304

  • دراسة بعنوان: الصناعة الدفاعية غير الواعدة في تركيا، مركز مالكوم كير- كارنيغي للشرق الأوسط، على الرابط:

https://carnegie-mec.org/sada/83036

  • دراسة بعنوان: الدراما التاريخية التركية..تحليل مضامين ومرتكزات القوة الناعمة، مركز الفكر الاستراتيجي للدراسات، على الرابط:

https://fikercenter.com/political-analysis/الدراما-التاريخية-التركية-تحليل-مضامين-ومرتكزات-القوة-الناعمة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

3 × 3 =